الشنقيطي
361
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
والآيات الموضحة لذلك كثيرة جدا ؛ كقوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16 ) [ ق : 16 ] وقوله : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 5 ) [ هود : 5 ] ، وقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [ البقرة : 235 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا هذا المبحث موضحا في أول سورة هود . ولفظة « كم » في هذه الآية الكريمة في محل نصب مفعول به « لأهلكنا » و مِنَ في قوله مِنَ الْقُرُونِ بيان لقوله كَمْ وتمييز له كما يميز العدد بالجنس . وأما لفظه « من » في قوله مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [ الإسراء : 17 ] فالظاهر أنها لابتداء الغاية ، وهو الذي اختاره أبو حيان في « البحر » . وزعم الحوفي أن « من » الثانية بدل من الأولى ، ورده عليه أبو حيان . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) [ 19 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها أي عمل لها عملها الذي تنال به ، وهو امتثال أمر اللّه ، واجتناب نهيه بإخلاص على الوجه المشروع وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي موحد للّه جل وعلا ، غير مشرك به ولا كافر به ، فإن اللّه يشكر سعيه ، بأن يثيبه الثواب الجزيل عن عمله القليل . وفي الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان باللّه ؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة ، لأنه شرط في ذلك قوله وَهُوَ مُؤْمِنٌ . وقد أوضح تعالى هذا في آيات كثيرة ؛ كقوله : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 ) [ النساء : 124 ] ، وقوله : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) [ النحل : 97 ] وقوله : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) [ غافر : 40 ] إلى غير ذلك من الآيات . ومفهوم هذه الآيات - أن غير المؤمنين إذا أطاع اللّه بإخلاص لا ينفعه ذلك ؛ لفقد شرط القبول الذي هو الإيمان باللّه جل وعلا . وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات أخر ؛ كقوله في أعمال غير المؤمنين : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان : 23 ] ، وقوله : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [ إبراهيم : 18 ] الآية ، وقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [ النور : 39 ]